فخر الدين الرازي

502

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم اللّه تعالى عليه ، ونسبهم إلى الظلم والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه الأمة على المخالفة ، وأن يكونوا مستمرين في القتال مع أعداء اللّه تعالى . المسألة الثانية : لا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل ، سواء علمنا أن النبي من كان من أولئك ، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئا من ذلك ، لأن المقصود هو الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف ، وإنما يعلم من ذلك النبي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر وهو مفقود ، وأما خبر الواحد فإنه لا يفيد إلا الظن ، ومنهم من قال : إنه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف ، والدليل عليه قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ مُوسى وهذا ضعيف لأن قوله : مِنْ بَعْدِ مُوسى كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان ، ومنهم من قال : كان اسم ذلك النبي أشمويل من بني هارون واسمه بالعربية : إسماعيل ، وهو قول الأكثرين ، وقال السدي : هو شمعون ، سمته أمه بذلك ، لأنها دعت اللّه تعالى أن يرزقها ولدا فاستجاب اللّه تعالى دعاءها ، فسمته شمعون ، يعني سمع دعاءها فيه ، والسين تصير شينا بالعبرانية ، وهو من ولد لاوى بن يعقوب عليه السلام . المسألة الثالثة : قال وهب والكلبي : إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل ، والخطايا عظمت فيهم ، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبى كثيرا من ذراريهم ، فسألوا نبيهم ملكا تنتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم ، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم ، وقيل تغلب جالوت على بني إسرائيل ، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ، ويجري الأحكام ، ونبي يطيعه الملك ، ويقيم أمر دينهم ، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم . أما قوله : نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فاعلم أنه قرئ نُقاتِلْ بالنون والجزم على الجواب ، وبالنون والرفع على أنه حال ، أي ابعثه لنا مقدرين القتال ، أو استئناف كأنه قيل : ما تصنعون بالملك ، / قالوا نقاتل ، وقرئ بالياء والجزم على الجواب ، وبالرفع على أنه صفة لقوله : مَلِكاً أما قوله : قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وحده عَسَيْتُمْ بكسر السين هاهنا ، وفي سورة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابي أنهم يقولون : هو عسى بكذا وهذا يقوي عَسَيْتُمْ بكسر السين ، ألا ترى أن عسى بكذا ، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز عَسى رَبُّكُمْ * أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين الأول : أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة ، وليست الياء من ( عسى ) كذلك ، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة ، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى . والجواب الثاني : هب أن القياس يقتضي جواز عَسى رَبُّكُمْ * إلا أنا ذكرنا أنهما لغتان ، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر . المسألة الثانية : خبر هَلْ عَسَيْتُمْ وهو قوله : أَلَّا تُقاتِلُوا والشرط فاصل بينهما ، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل ( هل ) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير ، وثبت أن المتوقع كائن له ، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ معناه التقرير ، ثم إنه تعالى ذكر أنه القوم قالوا : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهذا يدل على